علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

16

ثمرات الأوراق

ممزوجة ؛ لأنه يقال : قتلت الخمرة إذا مزجتها ، فكأنه أراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ، ثم ما اقتنع بذلك منه حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج ؛ ثم إنه عقّب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل ، يعني الصّرف التي لم تمزج . وقوله : « أرخاهما للمفصل » ، يعني به اللسان ، وسمّي « مفصلا » بالكسر ؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل . قال الحريريّ : وليس على ما اعتمده القاضي عبيد اللّه من الإسماح وخفض الجناح ما يقدح في نزاهته ، ويغضّ من نبله ونباهته . واللّه أعلم . * * * وفود عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك ونقلت من درّة الغوّاص أن عروة بن أذينة « 1 » الشاعر وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء ، فلمّا دخلوا عليه عرف عروة ، فقال [ له ] « 2 » : ألست القائل : لقد علمت وما الإشراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني « 3 » أسعى له فيعنّيني تطلّبه * ولو قعدت أتاني لا يعنّيني وأراك قد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق ! فقال له : يا أمير المؤمنين ، زادك اللّه بسطة في العلم والجسم ، ولا ردّ وافدك خائبا ! واللّه لقد بالغت في الوعظ وأذكرتني ما أنسانيه الدّهر . وخرج من فوره إلى راحلته ، فركبها ، وتوجّه راجعا إلى الحجاز . فلمّا كان في الّليل ، ذكره هشام ، وهو في فراشه ؛ فقال : رجل من قريش قال حكمة ، ووفد إليّ فجبهته « 4 » ورددته عن حاجته ! وهو مع ذلك شاعر لا آمن ما يقول . فلمّا أصبح سأل عنه ، فأخبر بانصرافه ، فقال : لا جرم « 5 » ليعلم أن الرّزق سيأتيه ؛

--> ( 1 ) عروة بن أذينة - وأذينة لقب له ، واسمه يحيى بن مالك بن الحارث - فقيه محدث شاعر كان غزلا مقدما من شعراء أهل المدينة . الأغاني 21 / 105 ( ساسي ) . ( 2 ) تكملة من ط . ( 3 ) أمالي المرتضى 1 / 408 ، قال المرتضي : وقوم يخطئون فيروون قوله : « لقد علمت وما الإسراف من خلقي » بالسين غير معجمة ، وذلك خطأ ، وإنما أراد « الإشراف أي إني لا أستشرف وأتطلع إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ، ولا تتبعها نفسي ، والبيت الأول أيضا في اللسان : « شرف » . ( 4 ) جبهه بالأمر : استقبله به . ( 5 ) لا جرم : كلمة هي في الأصل بمنزلة « لا بدّ ، ولا محالة » ، فجرت على ذلك حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمعنى « حقا » .